السيد نعمة الله الجزائري

397

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ، وقال النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليف إذا وعد ، والأخبار متضافرة بهذا المعنى وذهب جمهور الأصحاب إلى استحباب الوفاء به تأويلا للأخبار بالحمل عليه ، وأورد عليهم بعض الفضلاء المعاصرين بأنهم حصروا جواز الكذب في موارد خاصة ليس هذا منها ، وعدم الوفاء بالوعد والقول بجوازه يستلزم القول بجواز الكذب فيه ولم يصرّحوا بجوازه فقد ناقضوا أنفسهم من حيث لا يشعرون ، هذا لفظه وحكى لي أنه بحث في هذا الإشكال مع بعض العلماء فأجابه بأن الوعد داخل في أبواب الإنشاءات لا الأخبار فلا يتصف بالصدق والكذب فلم يرتض هذا الجواب والحق معه إذ قول القائل أزورك غدا إخبار صريح ووعد صحيح فكيف يخرج عن بابه إلى غيره ، والذي ظهر لي في حل هذا الاعتراض مبني على مقدمة ، وهي أن دلالة الإنشاءات كالأوامر والنواهي على الأحكام دلالة مطابقية مفهومة من نفس الألفاظ وهو ظاهر ، وأما الأخبار فقد تتضمن الأحكام أيضا إلا أن دلالتها عليها بالتبع والالتزام ويحتاج في تحصيل الأحكام منها إلى الدليل من خارج أعني الأوامر والنواهي وما كان بمعناها ألا ترى إلى قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ فإنه خبر تضمن حكما احتاج في الدلالة عليه إلى بيان الشارع والدليل الخارج ، إذا عرفت هذا . فاعلم أن قولك أزورك غدا خبر تضمن الوعد بالزيارة فإن كان الوفاء بالوعد واجبا من الدليل الخارج كما حكيناه من الأخبار كان الخبر متضمنا لحكم واجب فإذا أتى بصدق وعده فأثيب على الصدق وأتى بالحكم المدلول على وجوبه فأثيب عليه أيضا ، وإن كان الدليل الخارج دالا على الاستحباب كما عقله جمهور الأصحاب كان الوفاء به مستحبا وكان الحكم المندوب داخلا في هذا الخبر ومستلزما له إلا أنه إذا لم يف به يكون تاركا للمندوب ويوضح هذا أن قولك أصلي نوافل الظهر غدا لا يصيّر النوافل واجبة غدا بل هي باقية على الاستحباب ومتى أخل بها غدا كان معاقبا على كذبه وغير معاقب على ترك النافلة وكذلك إذا قال أنظر غدا إلى السماء فقد تضمن هذا الوعد حكما مباحا من الأدلة إلا أنه لو لم يأت به غدا لكان تاركا للحكم المباح عاص من حيث الكذب ، أما لو قال لصاحبه سأزني معك « 1 » غدا فالشارع هنا نهاه عن هذا

--> ( 1 ) لفظة « معك » لعلها تصحيف من الناسخ للفظة معا . ولفظة معا إشارة إلى ما ورد في مقدمة الكتاب من أن ما كان في الأصل مرقوم عليه ( معا ) معناه : فكانا معا في نسخة ابن السكون .